محمد بيومي مهران

132

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب ، كما أن رضوان اللّه أكبر من الثواب في نفسه ، وصدّر كل نصيحة بقوله : يا أبت ، توسلا إليه واستعطافا ، وإشعارا بوجوب احترام الأب ، وإن كان كافرا « 1 » . غير أن الخلاف بين أبي الأنبياء وأبيه إنما كان عميق الجذور ، فإذا أبو إبراهيم يقابل الدعوة بالاستنكار والتهديد والوعيد ، بل ويأمر ولده بالهجرة ، ما دام راغبا عن آلهته ، حيث لا أمل في اتفاق ، ولم يغضب إبراهيم الحليم ، ولم يفقد بره وعطفه وأدبه مع أبيه « قال : سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ، وأعتزلكم وما تدعون من دون اللّه ، وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا » ، وهكذا يرد الخليل عليه السلام على تهديد أبيه « سلام عليك » ، فلا جدال ولا أذى ، ولا رد للتهديد والوعيد ، سأدعو اللّه أن يغفر لك فلا يعاقبك بالاستمرار في الضلال وتولى الشيطان ، بل يرحمك فيرزقك الهدى ، وقد عودني ربي أن يكرمني فيجيب دعائي ، وإذا كان وجودي إلى جوارك ودعوتي لك إلى الإيمان تؤذيك فسأعتزلك أنت وقومك ، وأعتزل ما تدعون من دون اللّه من الآلهة ، وأدعو ربي وحده ، بسبب دعائي للّه ، ألا يجعلني شقيا « 2 » . وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة ، وبعد أن هاجر إلى الشام ، وبعد أن بنى المسجد الحرام ، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما السلام ، في قوله « ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب » « 3 » . ولم يجد سيدنا إبراهيم من بين القوم من يؤمن به ، إلا ابن أخيه لوط ، عليه السلام ، يقول سبحانه وتعالى : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى

--> ( 1 ) تفسير النسفي 3 / 36 - 37 . ( 2 ) في ظلال القرآن 4 / 2312 . ( 3 ) تفسير ابن كثير 3 / 200 .